
"هكذا سكت نيتشه، هكذا تكلم زوربا"، كتاب للكاتب أنس زاهد، صادر عن دار الانتشار العربي – بيروت، وهو دراسة وافية تستحق القراءة والغوص في تفاصيلها لما لها من دلالات ومعلومات فكرية ومعرفية، جهد المؤلف في تحقيقها عبر توسع وشرح مدروسين باتقان.
لقد سعى زاهد في كتابه إلى عقد مقارنة أو مقابلة بين الفكر الزوربي الذي يمثل الفطرة الإنسانية الخالية من الشوائب الاجتماعية والثقافية، وبين الفكر النتشوي.. وبالتحديد فكر فريدريك نيتشه الذي تجلى على أكمل وجه من خلال كتابه "هكذا تكلم زاردشت".
ويقول المؤلف إن دراسته هذه "ليست نقدية بالمعنى الفني أو الاحترافي للكلمة (...) هذا الكتاب لا يضع ضمن اهتماماته دراسة العناصر الفنية لرواية "زوربا"للكاتب اليوناني نيكوس كازينتزاكس كبناء الشخصيات والبنية الروائية وما إلى ذلك من أمور فنية، الكتاب هو محاولة للغوص في الفكر الزوربي الذي يمثل الفطرة الإنسانية النقية في أشد حالات تألقها".
وأمام هذا التعريف من المؤلف، ثمة سؤال يطرح نفسه وبقوة: لماذا نيتشه مقابل زوربا؟ والجواب يأتي سريعاً من صفحات الكتاب المليئة بالنقاشات والأفكار والقناعات التي يهندسها الكاتب، فكتابات نيتشه – حسب اعتقاد المؤلف – هي التجسيد الأعظم لقدرة العقل البشري على الإبداع، العقل البشري الخلاق الذي لا يتوقف عند حدود ولا يرتهن لمحظور، ولا يلزم نفسه باتباع أي عرف أو بالتسليم بأي من البديهيات، وكل قيوده يمكن أن تكبل العقل البشري.
يتوغل الكاتب داخل وجه الشبه بين الكبيرين زوربا ونيتشه رغم الاختلافات الكبيرة بينهما، والشبه الذي يؤسس له الكاتب هنا هو ان الاثنين قد بلغا من التفوق ما يجعل الحياة بكل جمالها وجلالها، تتوارى أمامهما خجلاً لأنها أضيق من أن تستوعب مطالب وطموحات هذا الثنائي الفريد.
يركز الكاتب هنا على تفرد نيتشه في بناء الفكر والفكرة، من دون ان يتأثر بسالفه او بمن سبقه الى العلم، "كتب نيتشه نصاً" لم اعثر فيه على تأثير احد من سابقيه سوى المسيح، بالاضافة الى الاثر المحدود الذي تركه الفيلسوف الالماني شوبنهاور. لم يتأثر فكر نيتشه وخصوصاً هذا الكتاب، بأي ممن سبقه من الفلاسفة والادباء، لانه في انفلاته كان قد تجاوز، الجميع يكفي ان نذكر ما قاله نيتشه حتى نكتفي بالقناعة حول هذا الكبير، فماذا يقول: "لقد اصبح كل شيء صغيراً، فاني حيثما اوجه انظاري لا ارى غير ابواب خفضت ارتاجها، فاذا شاء امثالي ان يجتازوها تحتم عليهم ان ينحنوا.
ايطول بي الزمان حتى اعود الى وطني، حيث لا ارغم على الانحناء امام كل صغير؟"
اما زوربا في هذا الكتاب، فهو يحمل القدر نفسه من عدم الرضا الذي يفضي الى التمرد. لكن زوربا اعتمد مشروعاً بعيداً عن مثالية نيتشه، حيث سعى الاخير الى تحقيق الكمال على الارض عبر مشروعه العقلي، بينما اندفع الاول في حب الحياة كما هي دون ان يطمح الى تغييرها.
وتبلغ المقاربة والمقاربة بين الكبيرين في كتاب زاهو الذروة، حين تمتد على صفحات الكتاب كلمات شديدة الحساسية والمعرفة: "زوربا كان يدرك ان الحياة مملوءة بأوجه القصور، والاهم انه كان يدرك اين تكمن مظاهر القصور ، وقد كان يثور في وجهها احياناً، لكنه لم يعتقد ابداً ان الحل المثالي هو هدم المعبد على من فيه تمهيداً لاعادة البناء على وجه اكمل من دون وجود اي ضمانة تكفل تحقيق الغاية الاخيرة(..) كان زوربا يتبع فطرته الانسانية النقية التي لم تفسدها نظريات الفلاسفة واوهام الايديولوجيا، ولذلك ظلت تلك الفترة نقية الى حد الشفافية ومنفلتة الى حد الحراشة.
لقد كان زوربا يلبي نداء الحياة الذي يزمجر بداخله، وقد كان هذا كافياً ليتعايش الرجل مع كل مظاهر النقص التي تكتنف الحياة.
وعلى العكس من ذلك كان نيتشه يكبح نداء الحياة بداخله تمهيداً لتحقيق غواية الكمال.. وهو ما لم يستطع نيتشه ان يحققه الا على الورق".
وبهذا التوقف الهادئ والعميق عند تقاطع المقارنة والمقاربة بين الرجلين، تنكشف اكثر صورة البناء الفكري المتواجهين بقوة الفعل والمعرفة والفكر، فالحياة لم تلب مطالب نيتشه، خذلته بمحدوديتها ازاء عقله الذي عرف بالتحديد مكامن الخلل واوجه القصور، فتمرد على الحياة، ومن ثم تمرد على نفسه وغرق في الجنون.
اما زوربا فكان ايضا يعاني ضعفا لا يمكن مغالبته تجاه كل مظاهر الضعف والرقة التي يمثلها الجزء الانثوي في الانسان، خير تمثيل، زوربا يحب الحياة وينظر اليها، رغم كل شيء بوصفها هبة، ولذلك فهو يشعر بالشفقة تجاه كل مظاهر الضعف التي تكشف كما لا يستطيع غيرها، توق الانسان الى البقاء وفزعه الشديد من فكرة الفناء.
يغوص الكتاب عميقا في فكر الكبيرين: نيتشه وزوربا، ولا يتأخر عن تقديم الاجوبة الوافية لاصول الفلسفة التي حركت وانتجت حيوية العقل عند الرجلين، وكلها تعمق في البحث والشرح، زاد من المعرفة بالاصول الفكرية التي تمتد على خطين نقيضين، لكنهما يلتقيان في تقاطعات كثيرة، وربما هذا التناقض بين الفكرين يؤجج حركة الوعي في العقل المتلقي ويجسّد له معرفة جديدة يمكن البناء عليها لقول المزيد من الفكر والفلسفة، والاهتداء الى المعرفة الاوسع.
عناوين كثيرة في الكتاب تتفرع منها الفصول والعناوين التالية، وكلها تصب في خانة التفسير الذي يفي بغرض الشرح الوافي، وفي هكذا امر تتحول الكلمات الى قاموس يمكن التوسع في شرحه وفهمه.
انه كتاب ــ محاولة لتقصي الحكمة الزوربية المندفعة كمياه شلال هادر مقابل ما جادت به قريحة الفيلسوف الالماني المثالي المسكون بحلم تحقيق الكمال على الارض، فريدريك نيتشه.
انها محاولة لقراءة فكر زوربا من خلال نيتشه وفكر نيتشه من خلال زوربا.
هذا ما يتمناه المؤلف.
غنى حليق من
جريدة القبس